إخوان الصفاء
137
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في تجرد النفس واشتياقها إلى عالم الأفلاك اعلم أيها الأخ البارّ الرحيم ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن العاقل الفهم إذا نظر في علم النجوم ، وفكّر في سعة هذه الأفلاك ، وسرعة دورانها ، وعظم هذه الكواكب وعجيب حركاتها ، وأقسام هذه البروج وغرائب أوصافها ، كما وصفنا قبل ، تشوّقت نفسه إلى الصّعود إلى الفلك والنظر إلى ما هناك معاينة ، ولكن لا يمكن الصّعود إلى ما هناك بهذا الجسد الثقيل الكثيف ، بل النّفس إذا فارقت هذه الجثّة ولم يعقها شيء من سوء أفعالها ، أو فساد آرائها ، وتراكم جهالاتها ، أو رداءة أخلاقها ، فهي هناك في أقلّ من طرفة عين بلا زمان ، لأن كونها حيث همّتها ومحبوبها ، كما تكون نفس العاشق حيث معشوقه . فإذا كان عشقها هو الكون مع هذا الجسد ، ومعشوقها هذه اللذات المحسوسة المحرقة الجرمانيّة ، وشهواتها هذه الزينة الجسمانيّة ، فهي لا تبرح من هاهنا ولا تشتاق الصّعود إلى عالم الأفلاك ، ولا تفتح لها أبواب السّماوات ، ولا تدخل الجنّة مع زمر الملائكة ، بل تبقى تحت فلك القمر سائحة في قعر هذه الأجسام المستحيلة المتضادّة ، تارة من الكون إلى الفساد ، وتارة من الفساد إلى الكون : « كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب . » لابثين فيها أحقابا ما دامت السّماوات والأرض لا يذوقون فيها برد عالم الأرواح الذي هو الرّوح والرّيحان ، ولا يجدون لذّة شراب الجنان المذكور في القرآن : « ونادى أصحاب النار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه ، قالوا : ان اللّه حرّمهما على الكافرين ، » الظالمين لأنفسهم ، الكافرين لحقائق الأشياء . ويروى عن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وآله وسلم ، أنه قال : الجنّة في السماء ، والنّار في الأرض . ويحكى في الحكمة القديمة أنه من قدر على خلع جسده ورفض